Get Adobe Flash player

b_150_100_16777215_0___images_stories_books_scan0025.jpeg

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المترجم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خيرته من خلقه سيدنا محمد رسول الله المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن سار في دربه واتبع هداه إلى يوم الدين وبعد:

إن من أهم المشكلات التي تواجه شباب الأمة في هذا العصر هو افتقارهم إلى المهارات والقيم والاتجاهات والمعارف التي تخدمهم في الحياة وتساعدهم على النجاح في أعمالهم. ذلك لأن النظم التعليمية التي ورثناها عن فترة الاستعمار فاقدة لنظام القيم الذي يجمع شتات المعارف المتناثرة في المواد الدراسية ويكوِّن منها كلاً متكاملاً ذا معنى بحيث يكون قادراً على توجيه الشباب نحو أهداف واضحة مفيدة على الصعيد الفردي والاجتماعي.

وترى أن الشاب يتخرج من المدرسة الثانوية فاقدا للاتجاه لا يدري ماذا يريد؟ ولا أين يتجه؟ ولا يدري كيف يختار مهنته؟ بل لا يدري ما هو مقصده من الحياة.

وإن سألته لماذا اخترت هذه المهنة أو هذا التخصص؟

وما علاقة هذه المهنة بأهدافك في الحياة؟ فقلما تجد من يجيبك إجابة مقنعة. ذلك أن الشباب اليوم فقد البوصلة التي توجهه في حياته العملية. ولذلك تجدهم يضيعون طاقاتهم في اتجاهات متعددة غير متآلفة ليس لها هدف موحد ولا فائدة فيها غالباً.

إن شباب الأمة اليوم أحوج ما يكون لمن يأخذ بأيديهم ويضعهم على المسار السليم ويرشدهم إلى السبل الكفيلة بتنمية قدراتهم ومهاراتهم التي تؤهلهم لأن يكونوا مواطنين صالحين منتجين قادرين على التفكير الاستقلالي واتخاذ القرارات الصائبة المستنيرة المبنية على العلم والمعرفة والثقة بالنفس. وفي الوقت نفسه مساعدتهم على أن يكتسبوا المهارات العملية والقدرة على المبادرة الذاتية بالفعل والعزم والحزم على تحقيق الهدف وعدم انتظار من يتخذ لهم القرارات ويصدر لهم الأوامر.

ولكن من الإنصاف القول أن شباب اليوم لا يتحملون وحدهم مسؤولية ضعفهم في هذه المهارات. وإن نظمنا التعليمية ومناهجنا التربوية ومجتمعاتنا تتحمل نصيباً وافراً من مسؤولية ضياع أجيال الأمة. ذلك أن مؤسساتنا التربوية لا تزود طلابها بما يحتاجونه من قيم ومهارات واتجاهات ومعارف تساعدهم بأن يكونوا مبادرين ومفكرين مستقلين ومبتكرين. فليس من الإنصاف إلقاء اللوم على الشباب وحدهم وترك المتسببين الرئيسيين فيما آلوا إليه من ضياع ، إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يمكن أن تتقدم في سلم الرقي دون إعداد جيل قادر على الإبداع والابتكار والمغامرة والمبادرة الفعالة، جيل يلتزم بنظام قيم أخلاقي موحد قائم على احترام إنسانية الفرد وحريته وكرامته. إن مدارسنا ومؤسساتنا التربوية يجب أن تتجاوز حدود مساعدة الطلاب على النجاح الدراسي في المواد المنهجية المقررة بل يجب أن تسعى بالإضافة إلى ذلك إلى تنمية المهارات الفكرية والأدائية والقدرات الذاتية التي يحتاجها الأفراد للنجاح في حياتهم العملية ووظائفهم الحكومية، أو وظائفهم في سوق العمل الحر. ومن أهمها القدرة على التواصل مع الآخرين واحترامهم، والعمل بروح الفريق، والعزم والتصميم على النجاح، والقدرة على حل المشكلات، والصبر وتحمل المشاق، والمواظبة على أداء الواجب والمثابرة، والرغبة في المغامرة والإبداع، وتحمل مسؤولية أعمالهم، والتعرف على قدراتهم وإمكاناتهم الذاتية واحترام أنفسهم.

وقد وجدت أن هذا الدليل قد يساعد المعلم العربي في تطوير المهارات والقدرات المذكورة لدى طلابه إذا أحسن تطبيقه. ولذلك شرعت في ترجمته ونقله إلى اللغة العربية لأنه لا يمكن أن تنهض أمة دون لغتها ودون أن تنقل العلوم إلى لغتها لتصبح متاحة لجميع أفراد الشعب. وإنما مما يؤسف له حقاً أن نرى كثيراً من جامعاتنا ومدارسنا توجهت إلى تدريس العلوم والرياضيات باللغة الانجليزية أو الفرنسية بحجة التطور والتقدم. إن هذا التوجه يشكل انتكاسة كبيرة لمشروع نهضة الأمة بل يقضي على أي أمل في التقدم والنماء ويجعل من الأمة تابعاً صغيراً يدور في فلك غيره من أمم الاستكبار العالمي.

ذلك فضلاً عن كونه خطراً ماحقاً لهوية الأمة وتاريخها وحضارتها وتراثها الثقافي ودينها فإنه يجعل العلم حكراً على فئة محدودة ممن يتقنون اللغة الإنجليزية ويحرم سائر طبقات الشعب من الاطلاع على العلوم، وكأن مذهب الخصخصة الاقتصادية قد سرى إلى العلوم أيضاً.

وإن المرء ليتساءل لماذا تدرس الصين واليابان وروسيا وتركيا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وإسرائيل وإيران وغيرهم من أمم الأرض بلغاتهم القومية؟ وكيف تقدمت هذه الأمم وأصبحت دولاً نووية وغزت الفضاء مع تدريسهم للعلوم والرياضيات بالصيفي والياباني والطلياني والعبراني وغيرها من اللغات أم أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة من بين لغات العالم التي لا تصلح أن تكون وسيلة تعلم العلوم؟ أسئلة كثيرة وغيرها أود أن يجب عليها أنصار (الفرنجة) وأن يكونوا صادقين مع أنفسهم. أود أن يرشدوني إلى أمة نهضت دون لغتها. فإن التاريخ لم يسجل لغاية تاريخه أمة نهضت بدون لغتها. على أي حال لنعد إلى موضوع هذا الكتاب فعندما شرعت في ترجمته وجدت فيه الكثير من الأمثلة التطبيقية التي لا تناسب بيئتنا العربية وقيمنا الإسلامية فحذفتها وعدلت بعضها لتصبح ملائمة لبيئتنا الثقافية مع وجود كثير من التشابه أو التشارك بين قيمنا العربية الإسلامية وبين التطبيقات المقترحة في هذا الدليل. لأن معظم القيم الإنسانية التي دعا إليها مفكرون غربيون هي في الحقيقة من صلب قيمنا الإسلامية وتقاليدنا العربية. ولكنها تدرس غالباً على أنها جاءتنا من الغرب وما ذاك إلا لجهلنا بديننا وثقافتنا وحضارتنا بحيث أصبحنا غرباء عليها. وبالنسبة للقيم والاتجاهات التي يسعى هذا الدليل على تنميتها فهي في جلها جزء من قيمنا وثقافتنا ولا تعارض بينها وبين قيمنا الدينية الإسلامية.

إن دعاة التغريب والتدريس بغير العربية إنما يزيدوننا غربة وانقطاعاً وبعداً عن تراثنا وديننا وحضارتنا قصدوا ذلك أم لم يقصدوه فإن النتيجة واحدة. وإنني أدرك أن قسماً كبيراً منهم لا يريدون فصل أجيال المستقبل عن حضارتهم وتاريخهم وثقافتهم وبالتالي لغتهم ودينهم ولا يقصدون ذلك أبداً، ولكن هذا لا يغير من النتيجة شيئاً، فإنه لا فرق في الموت أن يكون بنيران عدوة أو نيران صديقة ففي الحالتين تصل إلى نتيجة واحدة.

اللهم إن هذا جهد المقل بدأنا به حسب استطاعتنا ليكون دعوة عملية إلى الهيئات الرسمية والشعبية ومؤسسات المجتمع المدني وكل من عنده غيرة على اللغة العربية ومصلحة أجيال المستقبل أن يساعد في نقل العلوم إلى اللغة العربية وليس نقل العرب إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها. فإن طريق التقدم والازدهار هو التعريب وليس التغريب.

اللهم هذا الجهد وعليك التوكل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

د. إبراهيم أحمد مسلم ألحارثي

شهر رجب الفرد 1430هـ

الموافق تموز من عام 2009م

 

     عداد الزوار