Get Adobe Flash player

b_150_100_16777215_0___images_stories_books_scan0005.jpeg

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

        الحمد الله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على حبيبنا محمد رسول الله، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيراً وبعد:

        ظهر في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين اتجاه جديد في الفكر التربوي الحديث في أمريكا؛ يدعو المربين إلى التركيز على تحقيق عدد من النواتج التعلمية. وقد برز هذا الاتجاه في غمرة الاهتمام بتنمية التفكير، وبخاصة تنمية مهارات التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي، وحل المشكلات. وقد ركز أصحاب هذا الاتجاه على ضرورة تنمية عدد من الاستراتيجيات التفكيرية فيما أصبح يعرف باتجاه العادات العقلية أو نظرية العادات العقلية (Habits of Mind). ويعد هذا الاتجاه الجديد تراجع عن بعض جوانب فلسفة جون الديوي التربوية، التي تبنتها التربية الأمريكية في القرن العشرين. تلك الفلسفة التي تؤمن بالتغيير في كل شيء، بحيث يكاد المرء أن لا يرى ثوابت تربوية فيها؛ ولعل الثابت الوحيد فيها هو الت

غيير.

        أما نظرية العادات العقلية؛ فتدعو إلى

الالتزام بتنمية عدد من الإستراتيجيات الذهنية؛ أطلقت عليها اسم العادات العقلية. والعادة كما هو معروف هي شيء ثابت متكرر يعتاد عليه المرء. إذن تؤمن نظرية العادات العقلية بوجود ثوابت تربوية ينبغي التركيز على تنميتها وتحويلها إلى سلوك متكرر ومنهج ثابت في حياة المتعلم. ومن هذا الباب نجد أن هذا المنهج التربوي الحديث يقترب من بعض مبادئ التربية الإسلامية التي تؤمن بالتغيير ضمن أطر معينة وفي ضوء عدد من الثوابت التربية.

        وقد وجدنا عددا كبيراً من العادات العقلية، التي ينادي بها أصحاب هذه النظرية متطابقاً مع كثير من الآداب التربوية، التي نادى بها المربون الإسلاميون، مثل: الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله، وأبو الحسن الماوردي، وابن جماعة، والقابسي، وغيرهم.

        ولقد حاولت في هذا الكتاب أن أجمع بين ما ينادي به أصحاب نظرية العادات العقلية في التربية الحديثة (الأمريكية والأوروبية)، وبين ما نادى به علماء لإسلام، وما تنادي به التربية الإسلامية. مبينا أن كثيراً من العادات العقلية في التربية الحديثة ذات جذور قديمة في تربيتنا الإسلامية، ولكنها بحاجة إلى تحديث، وعناية، وتطوير؛ لتتماشى مع روح العصر، ولتستفيد من الآليات والأساليب والتقنيات الحدية، وتوظف نتائج البحث التربوي في خدمة الآداب الإسلامية العربية الأصلية.

        ومن الخصائص المميزة لنظرية العادات العقلية في التربية، تركيزها على استصحاب استراتيجيات التفكير ورفع درجة وعي الإنسان لأعماله، وعدم تخلف التفكير عن العمل، وهو ما عبرت عنه التربية الإسلامية باستصحاب النية في كل عمل، بل إن النية والقصد في التربية الإسلامية شرط لصحة الأعمال، ويبين هذا أهمية وعي الإنسان لكل عمل يقوم به. فالتربية الإسلامية تركز على استخدام استراتيجيات التفكير في الوقت المناسب.

        ومن خصائص نظرية العادات العقلية أيضاً أنها تركز على نقل الذكاء من المستوى النظري إلى المستوى العملي، بل هي تطرح مفهوماً جديداً للذكاء، يركز على القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها واستخدامها في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، وتميز بين هذه القدرة وبين القدرة على استرجاع المعرفة، أو القدرة على حيازتها. وهي تتفق في هذا الاتجاه مع ما نادى به المربون المسلمون في الماضي، مثل: الإمام الغزالي رحمه الله تعالى الذي يقول: مازال العلم يهتف بالعمل وإلا ارتحل. فالعلم والعمل في التربية الإسلامية مترابطان، وهذا ما يميز الذكاء الإنساني عن الذكاء الحيواني، فالقدرة على استخدام المعرفة، هي التي تميز الذكاء الإنساني عن الحيوانات ولذلك أنحى الإسلام باللائمة على أقوام لعدم قدرتهم على استثمار الذكاء الإنساني وقوله تعالى: ((أولئك كالأنعام بل هم أضل...)) (    ).

        أدعوك أيها القارئ الكريم إلى الاستمتاع بالرحلة في هذا الكتاب عبر عدد من العادات العقلية، واستثمار هذه المعرفة في تربية أبنائنا، فإنها مفيدة لك سواء كنت أباً أو أماً، معلما أو معلمة، مديرا أو مديرة، أو مسؤولاً في السلم التعليمي على اختلاف مستوياته من المدرسة إلى الجامعة، وحتى لو كنت فرداً في المجتمع فإنها مفيدة لك في إعادة تربية نفسك ذاتياً. وإنني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها الخير والبركة لكل من قرأها، وأن تكون خالصة لوجهه الكريم.

        اللهم هذا الجهد، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك. وصلى الله على هادي الأمم، سيد العرب والعجم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

المؤلف:

د. إبراهيم أحمد الحارثي

في غرة محرم 1423هـ

الموافق   آذار   2002م

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

     عداد الزوار