Get Adobe Flash player

b_150_100_16777215_0___images_stories_books_scan0013.jpeg

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

     ما زلت أتذكر الأيام التي كنت فيها معلماً في المرحلة الثانوية أود لو تعود تلك الأيام ولكن هيهات هيهات.

ذهب الشباب فما له من عودة        وأتى المشيب فأين منه المهرب

 وأود لو أنني بقيت طوال حياتي معلماً في المرحلة الثانوية. ولكنها حركة الحياة وتقلب الأحوال، تلك سنة الله في خلقه. وقديماً قال قيس بن الملوح:

صغار نـرعى البهــم ليتنا                 لم نكبر ولم تكبر البهم

      ما زلت أتذكر حلاوة تلك الأيام، وما زلت أحس بمتعة التدريس في تلك المرحلة. وإنني أدعو زملائي المعلمين أن يستثمروا هذه الفترة من حياتهم ويستمتعوا بعملهم، فإنهم يعيشون أفضل فترات حياتهم ولن تأتي عليهم أيام أحلى من هذه الأيام.

      ما زلت أتذكر عيون الطلاب وعقولهم كيف كانت مشدود

إلي. هل كان ذلك الاهتمام من الطلاب لأن الفيزياء موضوع صعب؟ أم هل كان ذلك رغبة في العلم وحباً في الاستطلاع وتشوقاً إلى المعرفة؟ بغض النظر عن الدافع، فقد كانت هنالك رابطة قوية بيني وبين الطلاب، رابطة الود والصفاء رابطة تدفعني للعطاء وتدفعهم للتعلم.كانت الحصص الأسبوعية لا تكفي لتغطية الموضوع . فكنت ألتقي طلاب الصف في أيام الجمع و العطل الرسمية وخارج أوقات الدوام لاستكمال التدريس. التعلم مستمر لا ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي.إنها تضحية من الطلاب ومن المعلم كذلك.ولكن ما الدافع لهذه التضحية ؟إن التعليم رسالة .إنه ليس مهنة . هذه القناعة تتعمق عندي يوماً بعد بوماً.رغم معرفتي بما يطالب به المعلمون ورغم ما تطالب به جمعيات المعلمين ونقاباتهم بأن يعتبر التعليم مهنة؛فإنني أقول بأن التعليم رسالة وليس مهنة .

      إذا اعتبر المعلم أن التعليم رسالة وأدرك أبعاد هذه الرسالة وأهدافها ورضي بتحمل أعبائها عن طيب نفس ؛ فإنه سيعطي بلا حدود وسوف يستمتع بعمله وسوف يجد التقدير والاحترام من الطلاب . وسوف تتلاشى شكاوي المعلمين من الطلاب.

 

      تقول نتائج الأبحاث الحديثة في علم الدماغ أن استثارة العاطفة في عمليتي التعليم و التعلم هي القوة الدافعة المحركة للمعلمين والطلاب نحو تحقيق الأهداف التربوية العليا.فإن للعواطف مسارات سريعة في الدماغ لا يوقفها شيء. بينما الأحاسيس الأخرى تسير في مسارات فرعية وتتوقف عند محطات عدة. لقد بدأت أكتشف نفسي الآن لماذا كنت أضحي وأعمل بلا حدود؟ كما يبدو أن العاطفة في التعليم هي التي كانت تسيرنا أنا وطلابي دون وعي منا ودون سابق تخطيط،ودون ربط عقلاني بين الدوافع والنتائج. إن محبة العمل ونظام الحوافز والمكافئات الداخلي الذي زرعه الله سبحانه و تعالى في دماغ الإنسان هو القوة المحركة للعمل والنشاط والتضحية .

      لقد جاءت نتائج الأبحاث في علم الدماغ في السنوات الأخيرة من القرن العشرين لتكشف عن أهمية العاطفة في التعلم والتعليم.  ولتكشف عن أمور كثيرة أخرى مثل: الحركة والنشاط والتربية البدنية والفنية والموسيقى والأناشيد وتأثيراتها في العملية التربوية بصفة عامة.

      ولقد جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب نتيجة لمحاضرة ألقيتها في البرنامج الثقافي الذي تديره الإدارة العامة للمناهج في مركز التطوير التربوي بوزارة المعارف بالرياض في العام 1420-1421هـ . وقد طلب مني في حينها أن تكون المحاضرة في طرق تنمية مهارات التفكير بناء على كتاب "تعليم التفكير" الذي صدر لي مؤخراً.

 

      وحيث أن معظم الزملاء في مركز التطوير قد اطلعوا على الكتاب رغبت في أن أتحفهم بشيء جديد لم يطلعوا عليه، ولم يتطرق إليه كتاب " تعليم التفكير". واستقر الأمر في نفسي على الأبحاث الحديثة في علم الدماغ وعلاقتها بالتفكير والتعلم. واخترت لها عنواناً "تحضير الدماغ للتعلم". وفوجئت اللجنة المشرفة على البرنامج بتغيير عنوان المحاضرة. وبعد مناقشة الموضوع قبلوا بالفكرة ولكنهم أصروا على تغيير العنوان، وبالأخص استبعاد كلمة الدماغ منه.  واقترحوا أن يكون عنوان المحاضرة "آليات التعلم والتفكير" ليكون أكثر جاذبية للحضور.

 

      وقد أحدثت هذه المحاضرة في الحضور أثراً طيباً لم أكن أتوقعه. وقد أبدي كثير منهم إعجابه وطلبوا مزيداً من التوسع في الموضوع ومزيداً من المحاضرات فيه. وتمنى بعضهم أن يظهر اسم الدماغ في العنوان لأنه الموضوع الرئيسي للمحاضرة.


      وعندما توفرت الهمة لدي ووفقني الله سبحانه للفراغ من تأليف هذه الكتاب؛ برزت مشكلة العنوان مرة ثانية. فما عسى أن يكون عنوان الكتاب؟ وتصفحت عناوين الكتب الأجنبية في هذا المجال. فوجدت أن كلمة (الدماغ) برزت في غالبيتها. فالدماغ هو الأداة المادية للتفكير والتعلم. ولا يمكن أن يتم تعلم دون تفكير. كما أن الذاكرة هي الدليل الواضح على التعلم. ولقد رأيت من المناسب أن يكون عنوان الكتاب [التفكير والتعلم والذاكرة] في ضوء أبحاث الدماغ.

 

      ولقد حاولت أن أعرض في هذا الكتاب آخر ما توصلت إليه أبحاث الدماغ وتطبيقاتها التربوية، من خلال ما وصلني من مراجع وكتب وما حصلت عليه من شبكات الانترنت. وهي محاولة أولية لا تخلو من النقص. وتحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص، ولا تعدو كونها مبادرة إلى اطلاع القارئ العربي على هذا العلم الجديد. وهي في الوقت نفسه دعوة إلى الباحثين التربويين على اختلاف دوافعهم للولوج في هذا العلم واستخراج مكنوناته عسى أن يكون في ذلك خدمة لأبنائنا الطلاب ولإخواننا المعلمين ولأولياء الأمور والمهتمين.


      وقد جعلت في نهاية كل فصل غالباً بعض التطبيقات التربوية المقترحة للاستفادة من نتائج الأبحاث الميدانية في علم الدماغ وتوظيفها في العملية التدريسية. علماً بأن هناك آراء تربوية كثيرة مبثوثة في المادة العلمية في فصول الكتاب المختلفة. وقد حاولت الربط بين ما توصلت إليه الأبحاث الميدانية المعاصرة وبين بعض الممارسات التربوية للعلماء المسلمين عبر العصور الماضية توظيفاً لتراثنا الإسلامي في التربية الحديثة ومداً للجسور التي تصل ماضينا بحاضرنا. وأرجو أن أكون قد أفلحت في تحقيق هذا الغاية.

      وقد رتبت الكتاب في سبع وحدات على النحو التالي:


الوحدة الأولى: معلومات عن الدماغ. وتكونت من فصلين الأول يعتبر فصلاً تمهيدياً يوضح كيف نشأ علم الدماغ وكيف تطور. والثاني تناول تشريح الدماغ وبين أقسامه وحلقاته والأجزاء الداخلية فيه مما يساعد في فهم الفصول اللاحقة.

الوحدة الثانية: التعلم والتفكير والدماغ وتكونت من فصلين أيضاً تناولت في الفصل الأول منها التفكير وكيفية حدوث التعلم وتكوين الارتباطات وتبادل المعلومات بين خلايا التفكير المسماة عصبونات. وفي الفصل الذي يليه ناقشانا كيماويات الدماغ بما يسهم في فهم الفصول اللاحقة.

الوحدة الثالثة:تحضير الدماغ للتعلم. ويتكون من ثلاثة فصول خصصنا الأول منها لتحضير الطلاب للتعلم وفي الثاني تحضير البيئة التعليمية المناسبة والفصل الذي يليه ناقشنا كيفية جذب انتباه التلاميذ للتعلم.

 الوحدة الرابعة: التعلم والعوامل المؤثرة فيه. وتتكون هذه الوحدة من أربعة فصول ناقشنا في الأول منها أثر التهديد والخوف على التعلم وفي الثاني الحوافر والمكافئات وفي الثالث العواطف وفي الرابع الحركة وأثر كل منها على التعلم.وفي الفصل الأخير منها ناقشنا دور الدماغ في تكوين المعنى . 

الوحدة الخامسة:الذاكرة والتذكر. وتتكون هذه الوحدة من ثلاثة فصول: الأول بعنوان الذاكرة والتذكر والثاني نظام تخزين المعلومات في الدماغ والثالث مواضع الذاكرة في الدماغ.

الوحدة السادسة:استراتيجيات التدريس والذاكرة: وتتكون هذه الوحدة من أربعة فصول: حيث ناقشنا فيها استراتيجيات التدريس المناسبة لكل نوع من أنواع الذاكرةو طرق التقويم المتوافقة مع أبحاث الدماغ ومع طرق التدريس الحديثة . وفي الفصل الأخير ناقشنا بعض القضايا المتفرقة التي رأينا أن مناقشتها مفيدة للمعلمين.

      وفي الختام أرجو من الزملاء والمهتمين أن لا يبخلوا علي بملاحظاتهم وتوجيهاتهم. كما أرجو أن يكون في هذا العمل الخير والنفع العميم لأبنائنا الطلاب ولزملائنا المعلمين وللآباء والأمهات. داعياً الله سبحانه وتعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يلهمنا رشدنا ويوفقنا إلى صالح الأعمال إنه نعم المولى ونعم النصير.  

    

      المؤلف:

د. إبراهيم بن أحمد مسلم الحارثي

ربيع الأول 1421هـ

أيار (مايو) 2000م

الرياض


 

 

     عداد الزوار