Get Adobe Flash player

b_150_100_16777215_0___images_stories_books_scan0020.jpeg

المقدمة

       في عام 1894م عقد كبار الشخصيات التربوية الأوروبية في كوبنهاجن أول جلسة للتخطيط لتربية المعلمين في القرن القادم أي القرن العشرين. وقد جاء في محاضرة الافتتاح ما يلي:

       إن مهمة التخطيط التربوي للقرن القادم صعبة المنال لدرجة تقرب من المستحيل. إن بعض من يسمع كلامي الآن طلاب في السنة الأولى في كليات المعلمين. وإنهم سوف يدرسون الأطفال الذين سيستلمون مقاليد الأمور في مجتمعاتهم في القرن القادم، وسيكونون فاعلين ومؤثرين في المجتمع حتى عام 1994م. لقد رأينا كيف تطورت مجتمعاتنا بسرعة في الماضي، وسوف يستمر تطورها في المستقبل. ومن المفيد أن نعرف بعض التغيرات القادمة التي ستحصل في المجتمعات حتى نهيئ الأجيال الجديدة للقرن القادم. وبعد مائة عام من ذلك التاريخ، وبالتحديد في عام 1993م، عقد المؤتمر العالمي التربوي جلسته الرابعة في برلين بألمانيا وأنشأ البيت الأوروبي للتربية(The European Educational House).ليخطط للتربية

لمائة سنة أخرى أي للقرن الحادي والعشرين.Dalin & Rust, 1996, p. 1)) هذا بالإضافة إلى عشرات المؤسسات التربوية المتخصصة التي تعمل    في أوروبا في التخطيط التربوي بمجالاته المتنوعة. ومن هذه المؤسسات: "المؤسسة العالمية لإدارة التدريب من أجل التغيير التربوي":International Management Training For Educational Change (IMTEC).  ومنها أيضاً: "المختبر التربوي الإقليمي لوسط القارة"Mid-Continental Regional educational Laboratory  والمقصود بوسط القارة أي وسط القارة الأوروبية. ومنها أيضاً: "مؤسسة التعلم التعاوني  العالمية" (International Learning Cooperative)ومنها أيضاً: "مشروع عام 2061م" Project 2061 لتعليم العلوم والرياضيات والتكنولوجيا التي تقوم به الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم(AAAS)American Association For Advancement Of Science.ويخطط هذا المشروع لتطوير العلوم والرياضيات والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2061م. وقد بدأ العمل في هذا المشروع منذ عام 1985م. فيا ليت شعري أين هي المؤسسات التربوية البحثية في ديار العروبة والإسلام؟ وهل من مخلص يدعو للتخطيط للتربية في بلادنا للقرن القادم؟

وإني أتقدم بهذه الصيحة التربوية إحساساً مني بأهمية التخطيط التربوي الواعي للقرن الحادي والعشرين..

       أقدم هذا الكتاب إلى المخلصين من أبناء أمتنا العربية والإسلامية من القادة التربويين ومديري المدارس، وأصحاب المؤسسات التربوية، وأصحاب القرار، ومن يخططون لإنشاء المدارس والمؤسسات التربوية بعامة، عسى أن يكون حافزاً لهم على التعاون والتنسيق فيما بينهم، راجياً من الله سبحانه وتعالى أن يساعدهم هذا الجهد في توضيح الرؤية المستقبلية لأجيال الأمة وأن يبين أهمية الإعداد والاستعداد لتربية الأجيال الصاعدة، وأن يضعوا نصب أعينهم أن هؤلاء الأطفال هم مستقبل الأمة.

       فمن أراد الخير للأمة، ومن كان عنده حرص على مستقبلها، ومن كانت عنده الغيرة على كرامتها، ومن كان يرجو الله واليوم الآخر، فليمد يد العون، وليبادر إلى الاعتناء بتربية أطفال الأمة على الأخلاق السامية الرفيعة، وليشارك في إعدادهم علمياً وجسمياً وعقلياً وروحياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فإن الاستثمار في التربية هو استثمار في مستقبل الأمة.

       إن أعداء الأمة يجهزون العدة لافتراس عقولنا ونهب اقتصادنا وسرقة الأدمغة المفكرة من مجتمعاتنا وتسخير علومنا ومعارفنا لخدمتهم. وفي الوقت نفسه يخططون لتدمير ثقافتنا، وتجفيف روحانياتنا، ومصادرة مجتمعاتنا والمتاجرة بأعراضنا.

إن في الأحداث التي تجري في فلسطين من قتل للأطفال والأبرياء وتهديم للبيوت على رؤوس أصحابها لعبرة كافية. وإن ما يجري في الشيشان وكوسوفا والبوسنة والهرسك وكشمير وغيرها من أصقاع العالم أمثلة أخرى. فهذا مردخاي الياهو؛ الحاخام الشرقي الأكبر، يوجه فوجا من العسكريين اليهود قبل التحاقهم بالخدمة لقمع انتفاضة الأقصى قائلا: "لنا أعداء كثيرون ... بإمكاننا عبر الإجراءات العسكرية أن  نواجههم. ولكن ما لا نستطيع مواجهته هو ذلك الكتاب الذي يسمونه القرآن. هذا عدونا الأوحد. ..." ثم أردف قائلا: "... على قادة الدولة عندنا أن يبلغوا قادة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية أن يختاروا بين السلام معنا أو القرآن!!" (مجلة البيان العدد 159, 2001م، ص1).

         وقد تناقلت وكالات الأنباء ومحطات التلفزة العالمية في هذا اليوم 10/4/2001م دعوة الحاخام أفاديا يوسف اليهودي في فلسطين لإبادة العرب. وهذا الحاخام هو زعيم حزب شاس، ثالث أكبر حزب سياسي في إسرائيل، ويعد من أقوى الزعامات الدينية عند اليهود باعتباره يمثل طائفة اليهود الأرثوذوكس المتشددين. ومما قاله الحاخام:  إن الديانة اليهودية تمنع أبناءها أن يكونوا رحماء بالعرب. ولابد أن نطلق عليهم الصواريخ، وأن نبيدهم فهم أشرار وملعونون."

(http//news.bbc.co.uk//hi/Arabic/news/newsid-1270000/1270)

       إن أعداء الأمة لن يقفوا عند حد قبل إخراجنا من ديننا والمتاجرة بنا متاجرة الرقيق، ولكن باسم الحرية، وتحت ستار الديموقراطية والعولمة وحقوق الإنسان. فالحذر الحذر يا عقلاء هذه الأمة؟ الله الله أيها التربويون؟ الله الله أيها القادة السياسيون؟ لا تغلِّبوا المنافع المادية والمصالح الشخصية على مصلحة الأمة. حافظوا على مبادئكم ولا تجعلوها ثمنا لمصالحكم. قد يستغرب بعض القراء هذه اللغة العاطفية وقد يتهمنا بالتشاؤم، ولكن إحساسنا بالخطر القادم يدفعنا لهذا التحذير. ونرجو أن نكون مخطئين في هذا الإحساس. وعلى أي حال سأروي بعض الوقائع التاريخية التي حدثت في بداية القرن العشرين وكانت تبدو مخططاتها لنا، نحن العرب، ضرباً من الخيال، بل كان معظمنا يعتبرها بحكم المستحيل. ونحن نراها الآن وقد  تحققت، لأن الذين خططوا لها تابعوا تنفيذها عبر أجيالهم المتتابعة. ومن هذه الأحداث ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي ثيودور ويلسن عام 1916م أي بعد ثلاث سنوات من بدء العمل بنظام بنوك الاحتياط الفيدرالية التي نظمها الصهيوني واربورغ. يقول ويلسن في حديثه عن الوضع الاقتصادي الأمريكي ما يلي: "تسيطر على أمتنا الصناعية -كما هي الحال في جميع الدول الصناعية الكبرى- أنظمة التسليف والقروض. ويرجع مصدر هذه القروض إلى فئة قليلة من الناس تسيطر بالتالي على نماء الأمة وتكون هي الفئة الحاكمة في البلاد. ولهذا لم تعد الحكومات حتى أشدها سيطرة وتنظيماً وتحضراً تعبر عن رأي الأكثرية التي تنتخبها، ولكنها في الحقيقة تعبر عن رأي ومصالح الفئة القليلة المسيطرة." (وليام غاي كار، 1991، ص311-ص312). وهذه هي حقيقة ما يسميه العالم المتحضر اليوم بالديموقراطية.

       وبعد أن وقعت المأساة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينات من القرن العشرين قال الرئيس الأمريكي روزفلت: "إن ستين عائلة أمريكية فقط هم الذي يتحكمون في اقتصاد الأمة... ويعاني ثلث الشعب الأمريكي من سوء المسكن والمأكل والملبس... وإني مصمم على إخراج رجال المصارف- الممولين- من برجهم العاجي (وليام غاي كار،1991، ص312)

       ولكن كيف يسيطر المرابون وأصحاب البنوك على الحكام ويوجهون سياسات الدول لنستمع إلى وليام غاي كار مؤلف كتاب أحجار على رقعة الشطرنج ((قام الماسونيون بإنشاء النوادي لنشر العهر والفساد وإسقاط ضحاياهم، ومن ثم التحكم بهم ومن أمثله ذلك: النادي الزجاجي الذي أسس في لندن عام 1914 من أجل إسقاط ضباط الجيش وكبار المسؤولين في بريطانيا والسيطرة عليهم. وكان هذا النادي يقدم إلى زواره جميع أنواع المتعة المحرمة ويوفر جميع وسائل الترفيه والتسلية. وكان يطلب من الضيف [الضحية] أن يعتبر نفسه في منزله ويعلم بأنه ستزوره امرأة ترتدي قلادة عنق كتب عليها رقم غرفته فإذا أحب بعد أن يتم التعرف عليها أن يصحبها إلى... وله كامل الحرية....وكانت هذه النوادي تستخدم لإسقاط بنات ونساء المجتمع وبخاصة بنات كبار الشخصيات ونسائهم.(وليام غاي كار، 1991، ص184-186)

       ثم استمع إلى رئيس وزراء بريطانيا مستر سكويت الذي كتب في مذكراته في 28 كانون الثاني عام 1915م:  "تلقيت للتو من هربرت صموئيل [وهو يهودي وأصبح فيما بعد أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين] مذكرة بعنوان "مستقبل فلسطين" وهو يظن أننا نستطيع توطين ثلاثة أو أربعة ملايين من اليهود الأوروبيين في ذلك البلد. وقد بدت لي فكرته هذه كنسخة جديدة من أقاصيص الحروب الصليبية..." ( وليام غاي كار، 1991، ص193). ولك الآن أن تربط بين الممولين من أصحاب المصارف، أصحاب النادي الزجاجي وضحاياهم من المسؤولين البريطانيين وبين صدور وعد بلفور عام 1916م.لنعد الآن إلى موضوعنا.

        هذه مخططات وأقوال للمخططين الاستعماريين منذ عام 1914/1915م ولو ذكرتها للشعب العربي الذي كان يعيش في تلك الفترة لاعتبرها من رابع المستحيلات. ولكننا اليوم نشاهدها وقد وقعت في أقل من خمسين سنة، وها نحن نرى ملايين اليهود قد تجمعوا في فلسطين. إذن إن ما يخطط له أعداء الأمة اليوم يمكن أن يقع في بضع عشرات من السنين إذا لم نأخذ الحيطة والحذر ونقابلهم بما يفسد مخططاتهم.

       ربما لم يتوقع أحد ممن حضر المؤتمر التربوي عام 1894م التغيرات التي حدثت في القرن العشرين بالضبط. فقد كانت الأحداث متسارعة والتغيرات سريعة بحيث أصبحت عملية التوقعات المستقبلية عملية صعبة ومعقدة الأمر الذي حدا ببعض المهتمين إلى التشكيك في جدوى التخطيط طويل الأمد متذرعين بمقولة مفادها أنه عندما تكون التغيرات تسير بسرعة بطيئة وثابتة من السهل بناء التوقعات المستقبلية عليها. ولكن عندما تحدث التغيرات بتسارع متزايد يصبح التخطيط طويل الأمد غير ذي جدوى.

       وإذا اتبعنا هذا الرأي فما علينا إلا الانتظار حتى تظلنا الأحداث وبعدها نساق فيها كقطعان الماشية، دون أن تكون لنا قدرة على التصرف, وهذا أمر غير معقول. صحيح أن التخطيط المستقبلي غير دقيق ونحن لا  ندعي غير ذلك. ولكن السؤال المطروح هل نجلس مكتوفي الأيدي؟ أم هل نعمل جهدنا في استشراف المستقبل والإعداد له بقدر الجهد والطاقة؟

يرى الحكماء من الأمم أن الإعداد والاستعداد هو الطريق السليم. وإن إنسان المستقبل ينبغي أن يكون فاعلاً في الأحداث وليس منفعلاً بها فحسب.

       إن عدم الإعداد والاستعداد حجة العاجز عن العمل الذي يقبل أن يعيش على هامش الحياة وأن

 

     عداد الزوار